القرطبي

244

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [ الأنفال : 25 ] بل يعم شؤمها من تعاطاها ومن رضيها ، هذا بفساده وهذا برضاه وإقراره ، على ما نبينه . فإن قيل : فقد قال اللّه تعالى : وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [ فاطر : 18 ] كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [ المدثر : 38 ] لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ [ البقرة : 286 ] وهذا يوجب أن لا يؤاخذ أحد بذنب أحد ، وإنما تتعلق العقوبة بصاحب الذنب . وقرئ واتقوا فتنة لتصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصّة وعلى هذه القراءة يكون المعنى : أنها تصيب الظالم خاصة وهي قراءة زيد بن ثابت وعلي وأبيّ وابن مسعود رضي اللّه عنهم أجمعين . والجواب : أن الناس إذا تظاهروا بالمنكر ، فمن الفرض على من رآه أن يغيّره إما بيده ، فإن لم يقدر فبلسانه ، فإن لم يقدر فبقلبه ، ليس عليه أكثر من ذلك ، وإذا أنكر بقلبه فقد أدّى ما عليه إذا لم يستطع سوى ذلك . روى الأئمة عن أبي سعيد الخدري قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « من رأى منكم منكرا فليغيّره بيده فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ليس عليه غيره ، وذلك أضعف الإيمان » « 1 » . روي عن بعض الصحابة أنه قال : إن الرجل إذا رأى منكرا لا يستطيع النكير عليه ، فليقل ثلاث مرات : اللهم إن هذا منكر لا أرضاه ، فإذا قال ذلك فقد أدى ما عليه . فأما إذا سكت عليه فكلّهم عاص ، هذا بفعله وهذا برضاه كما ذكرنا . وقد جعل اللّه في حكمه وحكمته الراضي بمنزلة الفاعل فانتظم في العقوبة . دليله قوله تعالى : إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ [ النساء : 140 ] فأما إذا كره الصالحون ما صنع المفسدون وأخلصوا كراهيتهم للّه تعالى وتبرّءوا من ذلك حسب ما يلزمهم ويجب للّه عليهم غير معتدين سلموا . قال اللّه تعالى : فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ [ هود : 116 ] وقال : فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ [ الأعراف : 165 ] . وقال ابن عباس : قد أخبرنا اللّه عزّ وجلّ عن هذين ، ولم يخبرنا عن الذين قالوا : لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ [ الأعراف : 164 ] .

--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( 49 ) وأحمد ( 3 / 10 ) وأبو داود ( 4318 ) والترمذي ( 2172 ) والنسائي ( 8 / 111 ) وابن ماجة ( 1275 ) وغيرهم .